أي علاقة تلك التي تجمع الالتراس المغربية بالسياسة؟

لقد عرف المغرب ظاهرة الالتراس حديثا مقارنة مع دول العالم، غير أن انتشارها كان سريعا جدا، كما أنها تأقلمت واتخذت لنفسها حيزا داخل المجتمع الرياضي المغربي.

لقد انطلقت هذه الحركية بداية بأهداف رياضية محضة تمثلت في تشجيع فريقها بشتى الوسائل المتعارف عليها في منظومة الالتراس من أغاني وتيفوات وغيرها… وذلك بشكل جماعي، فقد أبدعوا وأمتعوا في المدرجات في الملاعب المغربية والخارجية وكانوا خير سفير ومستشهر في آن واحد لأنديتهم أولا ثم لكرة القدم المغربية بصفة عامة، غير أن مع مرور السنوات ومع تكيف هذه الظاهرة مع المحيط الرياضي ومع انتشارها المجتمعي بدأت تتغير الأهداف التي نشأت لأجلها إلى ما هو سياسي على وجه الخصوص، فأصبحت تربطها علاقة كبيرة بالوضع السياسي الاقتصادي والاجتماعي للدولة المغربية واتخذت الالتراس المغربية من هذه الأوضاع مواقف قد عبرت عنها عبر طريقتها الخاصة في المباريات، ولم يقف الأمر هنا بل إن مواقفها تجاوزت ما هو داخلي إلى ما هو وطني وما هو قومي وديني… كقضية الصحراء المغربية والقضية الفلسطينية …

 

لقد كان الالتراس في السابق مجموعة مشجعين لا علاقة لهم بالسياسة، لكن هذا الدور تغير، حيث أصبح يهتم بهموم الشعوب ويصرف مواقف سياسية في الملاعب الرياضية، لكن هذا التحول لم يأت عرضيا،  بل كان تسلسليا، فكانت أول اول ملامح علاقات الالتراس عبر العالم بالسياسة مع “الهوليفانز” ببولندا ومن تمت في إيطاليا مع النظام الفاشي بين مجموعات مؤيدة له وأخرى معارضة… أما عربيا فقد للالتراس المصرية السبق في التدخلات السياسية وذلك في فترة الربيع العربي، حيث عارضة الالتراس الزملكاوية والأهلاوية الإنقلاب العسكري وقادت الثورة آنذاك مما أدى إلى مجزرة بورسعيد وإلى اعتقالات بالجملة… أما في المغرب فإن ارتباط الالتراس بالسياسة كان نتيجة الأوضاع المزرية بالبلد والتي قادت الشباب للانتفاضة في وجه السلطة بمختلف الطرق، كتأليف الأغاني ذات الطابع السياسي وترديدها في المباريات لعل أبرزها أغنية “في بلادي ظلموني” التي انتشرت بكل بقاع العرب، إضافة إلى رسائل وتيفوات تم ويتم رفعها تحمل حمولة سياسية، ورغم أن تاريخ الالتراس المغربية والسياسة حديث إلا أن ذلك انتشر كالنار في الهشيم وكان للأمر تأثير كبير على الأوساط المغربية، فقد أضحت تلك الأغاني التي تصدرها المجموعات تتردد على لسان كل مغربي صغيرا وكبيرا ذكرانا وإناثا ممن يتبنون مواقف سياسية مشابهة باختلاف الانتماء الرياضي ومن الأغاني التي انتشرت إلى جانب أغنية “في بلادي ظلموني” لالتراس الرجاء أيضا أغنية “قلب حزين” لالتراس الوداد و”هادي بلاد لحكرة” لالتراس اتحاد طنجة. ومع ظاهرة تسييس كرة القدم التي تعرفها الأندية المغربية والمسؤولين عن كرة القدم، أصبحت توجهات الالتراس إلى الدفاع عن أحزاب سياسية المدعمة لفريقها بشكل غير مباشر ومهاجمة الأحزاب المنافسة، ولم تكتفي الالتراس المغربية سياسيا بما هو داخلي فحسب بل تبنت مواقف ذات طابع وطني وأخرى قومية أو دينية، وكمثال قضية الصحراء المغربية التي وجدت إجماع من الالتراس على دعم الوحدة الترابية للمملكة وتمظهر ذلك في المباريات سواء داخل المغرب أو خارجه من خلال رسائل وأغاني وشعارات تهم هذا الجانب، و من القضايا الأخرى السياسية التي لاقت دعما منقطع النظير من الالتراس المغربية “القضية الفلسطينية” إذ قدمت من أجلها المجموعات المغربية كل أنواع التضامن الممكنة من رفع شعارات وأعلام فلسطين في كل المباريات الداخلية والخارجية، ورفع تيفوات لنصرة لفلسطين وتأليف عدة أغاني في هذا الباب تبقى أبرزها “رجاوي فلسطيني” لالتراس الرجاء، كما أن مباراة الرجاء وهلال القدس الفلسطيني عملت فيها جماهير الرجاء عامة والالتراس خاصة بكل وسائل التعبير على التعبير عن تضامنها المطلق مع القضية الفلسطينية واعتبارها قضية أمة، فرفعت التيفو وتغنت بالأغاني في هذه المباراة وحاولت الذهاب لفلسطين لكن منعت من طرف قوات الإحتلال، هذا و قد ساهمت الالتراس أيضا في حراك الريف بمدينة الحسيمة والحديث هنا عن الالتراس الموالية لفريق شباب الريف الحسيمي، كما قد سلكت الإلتراس طرق أخرى للتعبير عن مواقفها السياسية كإصدار بلاغات عبر صفحاتها الرسمية وكان آخرها بلاغ “الوينرز” التابعة لفريق الوداد ضد أحد الأحزاب السياسية، إضافة إلى مراسلة الفيفا للتدخل في ظل ارتباط السياسة بكرة القدم وهذا ما ذهبت إليه التراس “حلالة بويز”  سنة 2017 ….

ولعل ما يمكن استنتاجه أن الالتراس المغربية في ارتباطها بالجانب السياسي قائمة على أسباب عدة أبرزها : الظلم والفقر والبطالة والعنف والفساد الذي تراه كائنا في المجتمع المغربي من جهة، ثم الروح الوطنية والقومية والدينية التي قادتها للتضامن مع قضايا وطنية وأخرى خارجية كقضية الصحراء المغربية والقضية الفلسطينية… إضافة إلى المصالح الخاصة أو المشتركة بالأحرى التي ذهبت ببعض الإلتراس إلى الهجوم على بعض الأحزاب والشخصيات السياسية والتستر عن أخرى … .

 

إن تدخل الالتراس بالسياسة في المغرب لم يأت عبثا بل كان نتيجة لتطور نمط هذه الحركية في العالم بأسره من الاهتمام بما هو رياضي محض إلى التكيف والإهتمام بالوضع المجتمعي وهموم الشعوب التي يعيشون داخلها ومن تمت التطرق لمواضيع و إبداء مواقف ذات طابع سياسي، الأمر الذي أعطى لهذه المجموعات روحا أخرى وعقدت عليها آمال كبيرة من الشعوب لنصرة المظلوم ومحاسبة الظلمة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *